كل جهة حكومية في المملكة ترفع تقارير عن أدائها. لكن السؤال الأصعب: هل تخبر مؤشراتُ الأداء الرئيسية القيادةَ فعلًا بما ينجح، وبما ينحرف عن المسار، وبما ينبغي فعله بعد ذلك؟ هذا ما تجيب عنه إدارة مؤشرات الأداء: اختيار المؤشرات الصحيحة، وتعريفها بدقة، وجمع بيانات موثوقة، وتحويل النتائج إلى قرارات وفق إيقاع ثابت.
يتناول هذا الدليل دورة حياة المؤشر في الجهات العامة كاملة، من البناء إلى القياس فالتقارير والمراجعة. وهو موجّه إلى مكاتب إدارة الاستراتيجية وفرق قياس الأداء والمسؤولين الذين يملكون المؤشرات. وحيث تهمّ الممارسة السعودية تحديدًا، يحيلكم الدليل إلى المصادر الرسمية، وفي مقدمتها المنهجيات التي ينشرها المركز الوطني لقياس أداء الأجهزة العامة (أداء)، الذي يقيس أداء الأجهزة العامة عبر ثلاثة محاور عامة: قياس تحقيق الأهداف والمستهدفات، وقياس تحقيق المبادرات، وقياس رضا المستفيد (المصدر). وإن أردتم شرحًا تطبيقيًا خطوة بخطوة يركّز على تلك المنهجيات، فاقرؤوا دليل مؤشرات الأداء الرئيسية للجهات الحكومية وفق منهجيات مركز أداء.
ما المقصود بإدارة مؤشرات الأداء في الجهة الحكومية؟
مؤشر الأداء الرئيسي مقياسٌ مرتبط بهدف، يبيّن هل يتحقق ذلك الهدف أم لا. أما إدارة المؤشرات فهي كل ما يحيط بهذا المقياس: من يعرّفه، وكيف يُحسب، ومن أين تأتي بياناته، وكم مرة يُحدَّث، ومن يراجعه، وماذا يحدث حين يخرج عن المسار.
في الشركات الخاصة تصبّ المؤشرات غالبًا في النتائج المالية. أما في الجهة الحكومية فتصبّ في اختصاصها النظامي وفي الأولويات الوطنية، وهذا يغيّر ثلاثة أمور:
- الجمهور أوسع. تقرأ المؤشراتِ قيادةُ الجهة، والجهاتُ القطاعية، وفي حالات كثيرة جهاتُ قياس الأداء والرقابة على المستوى الوطني.
- النتائج أهم من الأنشطة. تُقاس الوزارة بما يتغيّر في حياة المواطنين والمقيمين وقطاع الأعمال، لا بعدد ورش العمل التي عقدتها.
- الشواهد أساسية. القيمة المرفوعة تحتاج في الغالب إلى وثائق داعمة يستطيع طرفٌ من خارج الفريق التحقق منها.
الإدارة الجيدة للمؤشرات تجعل هذه المتطلبات عملًا اعتياديًا، لا سباقًا مع الوقت في نهاية كل ربع.
أين تقع المؤشرات؟ التوجه الوطني واستراتيجية الجهة والخطة التشغيلية
لا معنى للمؤشر إلا بالقياس إلى الخطة التي يقيسها. وفي القطاع العام السعودي ثلاث طبقات ينبغي إبقاؤها في الحسبان.
التوجه الوطني. تقوم رؤية السعودية 2030 على ثلاثة محاور: مجتمع حيوي، واقتصاد مزدهر، ووطن طموح. وبحسب الموقع الرسمي للرؤية، تُرجمت ركائز الرؤية الثلاثة إلى أهداف استراتيجية على ثلاثة مستويات تعمل على تنفيذها برامج تحقيق الرؤية. ويوضح التقرير السنوي لرؤية السعودية 2030 لعام 2025 أن منظومة القياس تقوم على مؤشرات من ثلاثة مستويات: يقيس المستويان الأول والثاني مدى التقدم نحو المستهدفات الاستراتيجية، ويُعنى المستوى الثالث بالتقدم في تنفيذ الخطط والمبادرات لبرامج تحقيق الرؤية والاستراتيجيات الوطنية، مع تحديد خط أساس لكل مؤشر وربطه بمستهدفات مرحلية تمتد حتى عام 2030.
استراتيجية الجهة. تترجم كل جهة اختصاصها، ونصيبها من الأولويات الوطنية والقطاعية، إلى أهداف استراتيجية. ومن هنا يبدأ إطار عمل قياس الأداء الذي ينشره مركز أداء، إذ يأتي «التوجه الاستراتيجي» أول مقوّماته (مع حوكمة نشطة، ومشاركة المعنيين، وتحقيق تطور مستمر، واتخاذ القرارات الفاعلة)، وتبدأ مراحله بفهم السياق الاستراتيجي. ونتناول هذه الطبقة بالتفصيل في دليل إدارة الاستراتيجية في الجهات الحكومية.
الخطة التشغيلية. الأنشطة السنوية والمسؤولون عنها وميزانياتها هي ما يحوّل الاستراتيجية إلى عمل. والمؤشرات التشغيلية تتابع تنفيذ هذا العمل، وينبغي أن تعود إلى هدف استراتيجي لا أن تعيش في جدول منفصل.
الاختبار العملي هنا هو قابلية التتبع: اختاروا أي مؤشر في لوحتكم، وينبغي أن تستطيعوا القول أيَّ هدف يقيس، وفي أي خطة يقع، وإلى أي هدف وطني يسهم حين ينطبق ذلك.
بناء مؤشرات تصمد أمام المراجعة
تبدأ معظم مشكلات المؤشرات عند البناء. فالتعريف الغامض، أو المعادلة غير الواضحة، أو مصدر البيانات المفقود، كلها تظهر لاحقًا على شكل خلاف حول الأرقام في التقرير.
مؤشرات قياس النتائج أولًا
تنص منهجية القياس المنشورة لمركز أداء على التركيز عند اختيار مؤشرات الأداء الرئيسية على مؤشرات قياس النتائج (Outcome KPIs)، أي المؤشرات التي تقيس الأثر لا مجرد المخرجات. ولمؤشرات المخرجات والأنشطة مكانها، خاصة في الخطط التشغيلية ومتابعة المشاريع، لكن لا ينبغي أن تزاحم مؤشرات النتائج التي تحتاجها القيادة على المستوى الاستراتيجي.
عادة مفيدة: اكتبوا لكل هدف استراتيجي النتيجة المرغوبة بلغة واضحة أولًا (مثل: «قرارات ترخيص أسرع للمنشآت الصغيرة»)، ثم اسألوا: ما التغيّر القابل للقياس الذي يثبت تحققها؟
الشروط الستة للمؤشر
تحدد منهجية مركز أداء الشروط التي يجب أن تستوفيها المؤشرات المختارة: الوضوح، والأهمية، والقيمة المضافة، والكفاية، والقابلية للقياس، والقابلية للمتابعة. ويمكن تحويلها عمليًا إلى أسئلة تطرحونها في ورشة بناء المؤشرات:
- الوضوح: هل سيحسب محللان مختلفان القيمة نفسها من البيانات نفسها؟
- الأهمية: هل يقيس المؤشر أمرًا تحتاجه القيادة فعلًا لتوجيه العمل؟
- القيمة المضافة: هل يضيف معلومة لا يقدّمها مؤشر آخر؟
- الكفاية: هل تغطي مؤشرات الهدف مجتمعةً ما يسعى الهدف إلى تحقيقه؟
- القابلية للقياس: هل يتوفر مصدر بيانات موثوق اليوم، وبالدورية المطلوبة؟
- القابلية للمتابعة: هل يمكن تتبّع تقدّم المؤشر عبر الزمن، وإرجاع القيمة المرفوعة إلى شواهدها؟
الأسئلة من صياغتنا، أما الشروط الستة فهي من منهجية مركز أداء. راجعوا المنهجية الحالية على adaa.gov.sa قبل كل دورة بناء، فقد تُحدَّث من حين لآخر.
بطاقة وصف المؤشر
تطلب منهجية مركز أداء من الجهاز تطوير بطاقة وصف لكل مؤشر ومبادرة تتضمن البيانات التفصيلية لها، بحسب النموذج الموحّد المعتمد من المركز. استخدموا النموذج الحالي للمركز في كل ما يُرفع إليه. أما في العمل الداخلي، فبطاقة المؤشر الجيدة تتضمن عادةً:
- اسم المؤشر وتعريفه بلغة واضحة
- الهدف الذي يقيسه
- المعادلة ووحدة القياس واتجاه الأداء (هل الأعلى أفضل أم الأدنى)
- مصدر البيانات وطريقة الجمع ودورية التحديث
- قيمة خط الأساس وفترته
- المستهدفات لكل فترة
- المالك (دور وظيفي محدد، لا إدارة كاملة)
- الشواهد التي تدعم كل قيمة مرفوعة
هذه القائمة ممارسة جيدة عامة، وليست النموذج الرسمي لمركز أداء. وتعاملوا مع البطاقة كأنها اتفاق: بعد اعتمادها، يمرّ أي تغيير في المعادلة أو المصدر أو المستهدف عبر طلب تغيير موثّق.
خط الأساس والمستهدفات وحدود الإنذار
المستهدف بلا خط أساس تخمين. قبل الالتزام بأي مستهدف، حدّدوا موقع المؤشر اليوم بالمعادلة والمصدر نفسيهما اللذين ستستخدمونهما في التقارير. وإن لم يتوفر خط أساس، فاذكروا ذلك صراحةً في البطاقة وخطّطوا لفترة قياس أساسية بدل افتراض رقم.
عند وضع المستهدفات، راعوا ما يلي:
- الاتجاه والطموح: هل المستهدف طموح، أم مستوى للمحافظة، أم حدّ أدنى؟
- التدرّج المرحلي: كثيرًا ما تحتاج المستهدفات السنوية إلى مراحل ربعية تكشف الانحراف مبكرًا.
- الاعتماديات: إن كان تحقيق المستهدف يعتمد على بيانات جهة أخرى أو على تنفيذها، فوثّقوا ذلك.
وتعتمد جهات كثيرة كذلك حدود إنذار، مثل: على المسار، ومعرّض للخطر، وخارج المسار، حتى تُظهر اللوحات الانحراف بصورة متسقة. اتفقوا على هذه الحدود عند اعتماد المؤشر، لا بعد أول ربع سيئ.
جمع البيانات والشواهد والتحقق منها
من مراحل قياس الأداء في منهجية مركز أداء المنشورة مرحلة جمع البيانات والتحقق منها، وتسبق تحليل البيانات. لذا يحسن أن تكون القيم الفعلية مدعومة بشواهد موثّقة قبل رفعها.
والدرس الداخلي بسيط: ابنوا التحقق في دورتكم أنتم قبل أن يخرج أي رقم من الجهة.
- الجمع: خذوا القيمة من المصدر المتفق عليه، في الموعد المتفق عليه.
- إرفاق الشواهد: في الوقت نفسه، لا بعد أسابيع.
- المراجعة: من شخص غير الذي أدخل القيمة.
- الاعتماد: من مالك المؤشر أو صاحب الصلاحية المفوَّضة.
- الإقفال: تُقفل القيمة المعتمدة، فيظهر أي تصحيح لاحق بوصفه تصحيحًا.
إبقاء القيم والشواهد والاعتمادات في مكان واحد يسهّل كذلك الاستجابة للتقييمات الخارجية. فهيئة الحكومة الرقمية مثلًا تجري «قياس التحول الرقمي» للجهات الحكومية، وتنشر «المعايير الأساسية للتحول الرقمي». راجعوا متطلبات الدورة الحالية على dga.gov.sa؛ فإدارة المؤشرات الجاهزة بالشواهد تدعم هذا العمل لكنها لا تغني عنه.
من الأرقام إلى القرار: التحليل والتقارير
تختم مراحل قياس الأداء في منهجية مركز أداء بمرحلتي تحليل البيانات وإصدار التقارير. وداخل الجهة، يفيد أن يقارن التحليل الأداء الفعلي بالمستهدف ويوضّح أسباب الانحراف قبل إعداد التقرير.
وإلى جانب التقارير الدورية، ينشر مركز أداء على موقعه دليل إعداد التقارير السنوية للأجهزة العامة، الذي وافق عليه قرار مجلس الوزراء رقم (233) وتاريخ 1443/4/18هـ. ويستند ذلك إلى المادة (29) من نظام مجلس الوزراء الصادر بالأمر الملكي رقم (أ/90) وتاريخ 1412/8/27هـ، التي تُلزم الوزارات برفع تقرير عن إنجازاتها إلى رئيس مجلس الوزراء خلال 90 يومًا من بداية كل سنة مالية. ومؤشرات منظّمة جيدًا على مدار العام تجعل إعداد هذا التقرير أيسر بكثير.
داخل الجهة، يجيب تقرير الأداء المفيد عن أربعة أسئلة لكل هدف:
- أين نحن؟ الفعلي مقابل المستهدف، مع الاتجاه.
- لماذا؟ الأسباب التي تقف وراء الحركة، لا الحركة وحدها.
- ما المعرّض للخطر؟ المؤشرات التي تقترب من حدود الإنذار، والاعتماديات المتأخرة، وفجوات البيانات.
- ماذا سنفعل؟ القرارات المطلوبة، ومن يتولاها، ومتى.
اجعلوا اللوحة الاستراتيجية مختصرة: ترى القيادة مؤشرات النتائج لكل هدف وحالة واضحة، مع إمكانية النزول إلى مؤشرات الخطط التشغيلية والمبادرات عند الحاجة.
الحوكمة: الملكية ودورات المراجعة وضبط التغيير
إدارة المؤشرات عملية حوكمة بقدر ما هي عملية تحليل.
- الملكية: لكل مؤشر مالك واحد مسؤول. ويمكن الفصل بين أدوار الإدخال والمراجعة والاعتماد.
- الإيقاع: يتضمن إطار عمل قياس الأداء لدى مركز أداء مرحلة التقييم والتحسين، وفيها تحديث مؤشرات الأداء الرئيسية على أساس ربع سنوي، ومراجعة الاستراتيجيات سنويًا. وتعتمد جهات كثيرة إيقاعًا داخليًا مماثلًا: متابعة تشغيلية شهرية، ومراجعة أداء ربعية، ومراجعة سنوية لمجموعة المؤشرات نفسها.
- ضبط التغيير: أي تعديل على التعريف أو المعادلة أو المستهدف أو المالك يمرّ عبر طلب موثّق واعتماد، حفاظًا على قابلية المقارنة عبر الزمن.
- التصعيد: اتفقوا مسبقًا على ما يحدث حين يتجاوز المؤشر حدّ الإنذار: من يُبلَّغ، وفي أي مهلة، ومن يقرر الإجراء التصحيحي.
تعمل مسارات الاعتماد وقواعد التصعيد على أفضل وجه حين تكون مكتوبة ومطبّقة في كل مرة، سواء في سياسة داخلية أو أداة لسير العمل أو كليهما.
أخطاء شائعة في إدارة مؤشرات الأداء الحكومية
- كثرة المؤشرات: حين يصبح كل شيء «رئيسيًا» لا يبقى شيء رئيسيًا. احذفوا ما لا يجتاز شرط القيمة المضافة.
- أنشطة في ثوب نتائج: «عدد الحملات التوعوية» مخرج، أما ما تغيّر بفضلها فهو النتيجة.
- تعريفات تنزاح بصمت: تعديل خفيّ في المعادلة بين ربع وآخر يُفقد الاتجاه معناه.
- الشواهد في آخر لحظة: ملاحقة الوثائق قبيل الموعد النهائي أكثر أسباب التقارير المتأخرة أو المختلف عليها شيوعًا.
- فصل المؤشرات عن المخاطر: خروج المؤشر عن المسار كثيرًا ما يكون إنذارًا مبكرًا لخطر سبق أن رصدته الجهة. مراجعتهما معًا توفر الوقت.
- لوحات بلا قرارات: التقرير الذي لا يغيّر شيئًا كلفةٌ لا أداة رقابة.
أين تساعد المنصة، وأين لا تساعد
تكفي الجداول لإدارة عدد محدود من المؤشرات. لكن مع ازدياد الأهداف والوحدات والمبادرات وجهات الرفع، ينتقل العبء إلى ضبط النسخ وتتبّع الشواهد وتجميع البيانات.
مساركم منصة إدارة متكاملة سعودية الصنع، قائمة على الذكاء الاصطناعي. وفي عمل المؤشرات تحديدًا، تتصل بها الوحدات التالية: وحدة أداء الاستراتيجية التي تتابع المؤشرات المرتبطة بالأهداف عبر لوحات وتقارير دورية؛ ووحدة إدارة الخطط التشغيلية التي تربط الأنشطة السنوية ومسؤوليها ومؤشراتها بالأهداف الاستراتيجية؛ ووحدة إدارة الاستراتيجية حيث تُعرَّف الأهداف نفسها وتُوزَّع على المستويات. وتدعم وحدة إدارة سير العمل مسارات الاعتماد، فيما تُبقي وحدة إدارة الحوكمة والمخاطر والامتثال المخاطر في المكان نفسه مع الأهداف التي تهددها.
وصُمّمت قدرات الذكاء الاصطناعي، مثل اللوحة التكيفية ورؤية الذكاء الاصطناعي والتصعيد الذكي، لإبراز ما ينحرف واقتراح مواضع الانتباه، بينما يبقى التقدير والاعتماد والمساءلة بيد فريقكم.
ما لا تستطيعه أي منصة هو أن تختار لكم المؤشرات الجيدة، أو أن تجعل تعريفًا ضعيفًا قويًا. انضباط البناء الوارد في هذا الدليل يأتي أولًا، والأداة تجعله قابلًا للتكرار.
إن أردتم رؤية ذلك على مؤشرات جهتكم، اطلبوا عرضًا توضيحيًا.
مساركم: وضوح المسار ... ثقة القرار.
أدلة ذات صلة
- دليل مؤشرات الأداء الرئيسية للجهات الحكومية: البناء والقياس وفق منهجيات مركز أداء
- إدارة الاستراتيجية في الجهات الحكومية: من رؤية 2030 إلى الهدف السنوي

